السراد

في السَرَّاد، للحكاية بقية. تصفح أجمل القصص العربية والروايات المشوقة. منصة أدبية متميزة تجمع بين أصالة اللغة وروعة الخيال. تابع أحدث الإبداعات.

جديد الموقع

Post Top Ad

Your Ad Spot

السبت، 11 أبريل 2026

تلّة المعلَّق الجزء الثالث

  تلّة المعلَّق

جمال عسكر



📁 تحديث الملف - البندارية (المرحلة الثانية)


ما تم نشره سابقاً… لم يكن البداية.

كان مجرد أثر.


ثلاثة رجال رُفضوا من الأرض.
وجثة لم تُفهم.
وطريق يبدأ… ولا يُكمل.


لكن الملف لم يكن كاملاً.


في هذه المرحلة، تظهر مستندات لم تُسجل رسمياً.
كراسة لم تُحفظ في الدفاتر.
وشهادة… لا يمكن التأكد من صاحبها.


بعض ما ستقرأه هنا…
لم يكن يجب أن يُكتب.

وبعضه-
ربما لم يُكتب في وقته.


⚠️ إذا بدأت في قراءة هذه الصفحات…
لا تفترض أن الزمن يسير في اتجاه واحد.

📖 الفصل الرابع: كراسة المأمور


(1882)



في ديوان المأمورية، هناك دائماً دفتران.


دفترٌ ميري، بأوراقٍ مسطرة وختمٍ نحاسي، تُكتب فيه تواريخ القبض، وأسماء المشنوقين، وتقارير الحالة المرفوعة لنُظّار الداخلية. هذا الدفتر لا يعرف الشك.




وهناك كراسة صغيرة بجلدةٍ سوداء، تخص المأمور "إبراهيم بك".


كراسة لا يقرؤها أحد سواه، تُكتب فيها الأشياء التي إن سُجلت في الدفتر الميري... لأرسلوا صاحبها إلى مستشفى المجاذيب.


---


[مقتطفات من الكراسة السوداء]







٧ رجب ١٢٩٩ هـ


كتبتُ التقرير وأرسلته بالبريد.


ثلاثة قتلة، حُكم عليهم، أُعدموا، ودُفنوا في أرضٍ فضاء شمالي القرية. 


القانون أخذ مجراه. هكذا أخبرت العمدة، وهكذا أخبرت نفسي. لكن يدي ما زالت ترتجف كلما أمسكت القلم.


العساكر عادوا من التلة بوجوهٍ لا تشبه وجوه الرجال. لم يتحدث أحدهم بكلمة. 


سألت الشاويش:


"خلصتوا؟"


قال:


"ردمنا عليهم يابك."


لم يقل دفناهم.


أعرف أن التراب يستر الميت. لكن تراب تلك التلة كان يتحرك كأنه يلفظهم.


> نحن دفناهم... لكن المكان ما قبلهمش.




---




١١ رجب




القرية هادئة. هدوء مريض كهدوء المقابر قبل صلاة الجنازة.


نمتُ القيلولة في المكتب. ورأيتها.


حية.


بيضاء


لم أسمع لها صوتاً.


لم تخرج من شقوق الأرض، بل خرجت من تحت باب مكتبي الموصد. 


كانت تنزلق بلا صوت، بطيئة، متجهة نحو الشمال. نحو التلة.


حين استيقظت، كان هناك أثر.


خطٌ تراب…رفيع…يمتد حتى العتبة.


لم ألمسه.




---




١٤ رجب




خرجتُ بالحصان قبيل المغرب. لم أكن أقصد التلة، لكن الحصان وقف عندها.


وقفتُ بعيداً عند حافة الغيط.


كان هناك رجلٌ يقف عند السفح.


لم يكن من أهل البندارية، بل، والله أقولها وأنا بكامل عقلي... لم يكن من زماننا.


كان يرتدي سترةً بلون برتقاليٍ فاقع يؤذي العين، قماشتها لا تشبه غزل قطننا ولا صوفنا. وعلى رأسه قبعة صلبة صفراء كأنها مصبوبة من قالب واحد.


لم يكن يحمل فأساً ولا سلاحاً.


كان يحمل في يده لوحاً أسود صغيراً، وحين مرر إصبعه عليه... أضاء اللوح من داخله! بياضٌ أزرق غريب في عز الغسق.


ظل ينظر إلى اللوح المضيء، ثم يرفعه نحو التلة كأنه يقيس شيئاً، أو يبحث عن شيء.


حين اقتربتُ بالحصان، التفت إليّ.


نظرة عينيه... يا إلهي! كانت نفس النظرة الفارغة المتعبة التي رأيتها في عين المقتول يوم وجدناه.


تحركت شفتاه. لم أسمع صوته، لكنني قرأت الكلمات وهي تتشكل ببطء:


"أنا مش فاكر أنا مستني مين..."


رمشتُ بعيني لتوضيح الرؤية.


فلم أجد سوى شجرة التوت اليابسة. 


لم يختفِ الرجل مسرعاً... لقد تسرّب. كأن الهواء شربه.




---




١٧ رجب




الساعة التي وجدناها مع المقتول الأول. 


أخرجتُها اليوم من صندوق الأحراز. 


تحرك العقرب.


نقلة واحدة.


ثم أخرى.




كيف يمشي الوقت بعد أن توقف؟




---




٢٠ رجب



لا أفهم.


لكن…ماحدث هناك…لم ينتهِ.


الأرض هناك لا تأخذ الموتى ليرتاحوا. الأرض تدور.


الرجل الذي رأيته بالسترة البرتقالية... سيعود. 


لا أعرف متى. لكنه سيمشي نفس المشية. وسيحمل نفس العبء.


الأرض بتمشي بيهم.


الشيخ عبد الرازق كان يعرف.




---




٢٢ رجب



الصوت.


بدأت أسمعه في أذني اليسرى. 


ليس صوتي. صوت أجش، كصوت آلة ضخمة تطحن الحجارة. يهدر كوحش من حديد.


الأرق يأكل عيني. 


الحية البيضاء لم تعد تأتي في المنام. صرت أراها تلتف حول رِجل الكرسي وأنا مستيقظ.




إذا قرأ أحد هذه الكراسة يوماً، فلا تصعدوا إلى هناك.


لا




العدد لم يكتمل


ثلاثة فوق


وواحد قادم


و




(هنا تنتهي الكتابة بجرّة قلمٍ طائشة، شقّت الورقة من منتصفها كأن يداً انتزعت الكراسة بقوة، أو كأن الكلمات نفسها رفضت أن تكتمل).




📖 الفصل الخامس: زمن الرصاص والورق


(1919)



لم يكن "سليمان أفندي" يبحث عن التلة.


كان يبحث عن الناس.



جاء إلى البندارية مع أخبار الثورة.


القطارات تتوقف، المظاهرات تخرج، والخطب تُلقى في الساحات.


وفي كل قرية، كان يبحث عن حكاية.


حكاية تُقال بصوتٍ عالٍ.



لكن البندارية لم تكن ترفع صوتها.



جلس في دكان صغير عند طرف السوق.


دفتره مفتوح. قلمه مرفوع.


ينتظر.



"قول لي حاجة حصلت هنا."


قالها لرجلٍ مسن.


الرجل هز رأسه: "ما حصلش حاجة."



قالها لآخر: "الدنيا ماشية."



لم يكن الصمت عادياً.


كان صمتاً يعرف أكثر مما يقول. صمتاً متواطئاً.


في اليوم الثالث، سمع الكلمة لأول مرة.


لم تأتِ في حديث مباشر. جاءت عرضاً.


"… من ساعة التلة."



رفع رأسه: "تلة إيه؟"


لم يرد أحد.


في المساء، خرج من القرية.


لم يخبر أحداً. لم يسأل.


فقط… مشى.



الطريق لم يكن واضحاً. لكنه لم يتردد.


كأنه يعرف الاتجاه دون أن يعرف لماذا.


وصل قبل الغروب بقليل.



التلة كانت هناك.


كما وُصفت له-دون أن تُوصف.


لم يقترب. وقف عند الحافة، ينظر.



شجرة التوت.


ما زالت واقفة كيدٍ مشلولة.



جلس على حجر. أخرج دفتراً آخر.


ليس دفتر الخطب. دفتر أصغر.


كتب:


*"لا أحد يريد أن يتكلم. وهذا… هو الكلام."*



رفع رأسه.


كان هناك أطفال.


ثلاثة.



يقفون على مسافة.


لا يلعبون. لا يتحركون. حفاة القدمين.


فقط… ينظرون.



لم ينتبه لهم في البداية. كأنهم كانوا هناك منذ وصل.


"تعالوا." قالها.



لم يقتربوا. لكن أحدهم قال:


"إنت بتكتب؟"



ابتسم سليمان: "آه."


"بتكتب عن إيه؟"



فكر لحظة. ثم قال: "عن اللي حصل هنا."



نظر الأطفال لبعضهم. ثم عادوا إليه.


قال الثاني: "ما حصلش حاجة."


قال الثالث: "إنت متأخر."



توقفت ابتسامته: "متأخر عن إيه؟"


لم يردوا.



اقتربوا خطوة. واحدة فقط.


صاروا أوضح. لكن ليس أكثر.


ملامحهم… لم تكن محددة. كأن ضوء الغروب لا يستقر عليهم. كأنهم مصنوعون من غبار الطريق.



قال الأول: "هما مش هنا."


"مين؟"


"اللي بتدور عليهم."



شعر بشيءٍ يضيق في صدره. "أنا بدور على حكاية."


قال الطفل الثاني: "الحكاية خلصت."


قال الثالث: "بس هي لسه شغالة."



سكت.


فتح دفتَره. كتب بسرعة:


"الأطفال يتحدثون وكأن الزمن ليس واحداً."



رفع رأسه.


لم يكونوا في نفس المكان.


لم يتحركوا أمامه، لكنهم لم يعودوا حيث كانوا. صاروا أقرب.


قال: "إنتوا مين؟"


لم يجب أحد.



ثم...


قال أحدهم: "إحنا اللي فضل."



سكت الهواء.


لم يسجل الجملة. لم يستطع.


شعر أن الكلمات لو خرجت من فمه… لن تعود.


أغلق الدفتر. وقف.



"أنا هرجع."


قالها لنفسه. ثم بدأ في النزول.


لم ينظر خلفه.



لكن...


في منتصف الطريق… توقف.


لم يسمع صوتاً. لكن الإحساس كان واضحاً.


أن هناك من يقف… خلفه.


بنفس المسافة.


وبنفس الصمت.



لم يلتفت. أكمل السير.



في القرية، عاد كل شيء كما كان. أو بدا كذلك.


في الليل، جلس تحت المصباح. فتح دفتره. قرأ ما كتب.



كانت الكلمات موجودة.


لكن...


ليست كما كتبها.


خط يده. نفس الحبر. لكن ليس نفس العقل.


"لا أحد يريد أن يتكلم…"


تحتها:


"…لأنهم سمعوا."


لم يكتب هذه الجملة.


أغلق الدفتر. ويداه ترتجفان.


في اليوم التالي، غادر البندارية.


كتب عن الثورة. عن الهتافات. عن الناس.


ولم يكتب عن التلة.


لكن في آخر الصفحة...


ترك سطراً فارغاً.


لم يملأه أبداً.


وقبل أن يطوي الدفتر في قاع حقيبته—


أضاف كلمة واحدة.


"سمعت."




📖 الفصل السادس: صدى الأرق

(2026)


الكاميرا على الأرض.

عدستها مشروخة.


الصوت القديم، الأجش، الذي خرج من حنجرة "زينب" كان لا يزال يرنّ في أذن "نور".

لكن زينب لم تكن تدرك شيئاً.


رمشت بعينيها ببطء، كمن يفيق من تخديرٍ كلي.

نظرت إلى يديها الملامستين لمعدن اللودر البارد، ثم سحبتها بسرعة كأنها لُسعت.


"نور؟"

قالتها زينب بصوتها الطبيعي. المكسور. المرتجف.

"الكاميرا وقعت منك؟"


لم ترد نور.

نظرت إلى زينب. إلى شفتيها اللتين نطقتا قبل ثوانٍ بحكمةٍ عمرها قرن ونصف.

ثم نظرت إلى "منصور" عامل اللودر، الذي تراجع بخطواتٍ متعثرة، ثم استدار وركض بعيداً دون أن ينظر خلفه. الآلة الهائلة تُركت هناك، جثةً من حديدٍ أصفر أمام التلة.


"زينب.. إنتي قلتي إيه من شوية؟"

سألتها نور بصوتٍ بالكاد يخرج من حلقها الجاف.


عقدت زينب حاجبيها.

"أنا مقولتش حاجة. أنا جيت عشان... عشان أقولك إن طارق مكلمنيش النهاردة."


توقفت نور.

طارق مفقود منذ أسبوع. فرق الإنقاذ مسحت التلة شبراً شبراً. الشرطة حققت.

كيف تقول إنها جاءت لتخبرها أنه لم يكلمها "اليوم"؟


---


في الاستراحة المؤقتة للمهندسين أسفل التلة.

جلست زينب على كرسي بلاستيكي، ونور تقف أمامها بكوب ماء لم تمتد إليه يد.


"زينب، ركزي معايا.. طارق طلع التلة يوم التلات اللي فات. صح؟"


نظرت زينب إلى الفراغ.

"كان طالع يرفع مقاسات التربة قبل الإزالة. كان لابس الفيست البرتقالي بتاعه. والخوذة الصفرا. قالي عشر دقايق وأنزل."

سكتت.

ثم أضافت بصوتٍ خافت: "كان ماسك التابلت.. وقالي إنه هيصلي ركعتين في الاستراحة لما ينزل، ويديني الهدية."


نور شعرت ببرودة تزحف من أطراف أصابعها إلى عمودها الفقري.

"هدية؟"


"آه.. قالي وهو جاي في الطريق، اشترى لي حاجة قديمة من السوق. ساعة نحاس صغيرة.. قالي إنها واقفة بس شكلها حلو."


---


ساعة نحاس صغيرة. واقفة..


شيء ما انكسر فى رأس نور.

اندفعت نحو طاولتها. حيث تتناثر الأوراق، ومحاضر الشرطة القديمة، ونسخ مصورة من الأرشيف القومي.


يديها كانت ترتجف وهي تبحث بجنون.

طارت الأوراق. سقط بعضها على الأرض.


"بتدوري على إيه؟" سألت زينب بتبلد.


لم تجب نور.

وجدت الورقة.

نسخة مصورة من "الكراسة السوداء". يوميات المأمور "إبراهيم بك". عام 1882.


وضعت الورقة تحت ضوء المصباح المكتبي.

الكلمات المكتوبة بخط الرقعة القديم كانت تبدو كأنها كُتبت بدمٍ طازج.


قرأت نور بصوتٍ مسموع، وعيناها تتسعان رعباً:

"لم يكن من زماننا. كان يرتدي سترةً بلون برتقاليٍ فاقع يوجع العين... وعلى رأسه قبعة صلبة صفراء... كان يحمل في يده لوحاً أسود صغيراً، وحين مرر إصبعه عليه... أضاء اللوح من داخله."


رفعت نور عينيها ببطء نحو زينب.

الفيست البرتقالي. الخوذة الصفراء. التابلت المضيء في الغسق.

في عام 1882، إبراهيم بك رأى طارق.


لكن... كيف؟

عادت نور تقرأ السطر الأخير من اليوميات، حيث وصف المأمور حركة شفتي الرجل الغريب:

"أنا مش فاكر أنا مستني مين..."


هنا، في الاستراحة، وفي عام 2026، حركت زينب رأسها ببطء.

لم تكن تنظر لنور. كانت تنظر للنافذة المفتوحة نحو التلة.


وبصوتٍ لا يحمل أي نبرة، قالت:

"أنا مش فاكرة أنا مستنية مين..."


توقفت أنفاس نور.

نفس الجملة.

نفس الكلمات.


التفتت زينب نحوها.

عيناها لم تعودا عيني امرأة حزينة. كانتا عينين ممسوحتين من الذاكرة. كعينين لم تريا شيئاً منذ قرن.


أكملت زينب:

"...بس أنا عارفة إنه واقف هناك."


---


تراجعت نور خطوة للوراء.

اصطدم ظهرها بالجدار.

بالطبع، هذه الصياغة البديلة التي تبدأ من موضع التغيير وتستبدل الفقرة التفسيرية كاملة:


تراجعت نور خطوة للوراء.

 اصطدم ظهرها بالجدار.

نظرت إلى الورقة.

 ثم إلى زينب.

 ثم...

 إلى النافذة.


الساعة.


الهدايا.


الجملة.


كلها… موجودة.

لكن...

ليست في نفس الوقت.


ابتلعت ريقها.

"لا…"

همست.

"مش ممكن…"


لكن النمط كان أوضح من أن يُتجاهل.


نفس الخطوات.

نفس العبء.

نفس النهاية.


كأن الطريق… لا يتغير.


فقط—

الذين يمشون عليه.


نظرت نور إلى الورقة التي في يدها.

ثم إلى زينب التي نهضت ببطء، واتجهت نحو الباب.


"رايحة فين؟" صرخت نور.


لم تلتفت زينب.

"الطريق فاضي. الأرض بتمشيني."


خرجت زينب إلى العتمة.

باتجاه التلة.


في تلك اللحظة، رنّ هاتف نور.

الاسم على الشاشة كان يتوهج في الظلام:

"طارق"


---


صوت الرنين شقّ سكون الليل كشفرة.

نور وقفت متصلبة.

الهاتف يرن.

والهاتف الآخر... التابلت... اللوح الأسود المضيء... رآه المأمور في يد طارق عام 1882.


لم ترد.

لم تستطع أن ترد.

لأنها عرفت، بيقينٍ مرعب، أن الصوت الذي سيأتي من الطرف الآخر...


يتبع

الجزء الأول

الجزء الثانى

الجزء الرابع قريبا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot